الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، أمّا بعد:
نزولاً تحت طلب أخت كريمة في منتدى على النات، حول الشذرات البلاغية في آية السحاب وهي قول الله تبارك وتعالى في سورة النور:
بسم الله الرحمن الرحيم "ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار"النور43.
ارتأيت أن أجمع من بعض الكتب هذه النتف، فأرجو أن أكون قد وفّقت فاللهم يسّر وأَعِنْ:
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وبعد:
"ألم تر"،قال القرطبي: للنبي، ومعناه ألم تعلم أو ألم تر بعيني قلبك، والمراد الكل.
وكيما تستبين بلاغة اللّفظة قلنا: ما الفرق بين قوله تعالى: ألم تر؟" و"أرأيت" في القرآن الكريم؟.
فوجدنا الزركشي –رحمه الله-في برهانه يقول 1/46:"ألم تر بمنزلة هل رأيت ذلك أنّ "ألم تر" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفى ولذلك يجاب ببلى والاستفهام يعطى النفى إذ حقيقة المستفهم عنه غيرثابتة عند المستفهم ومن ثم جاء حرف الاستفهام مكان حرف النفى ونفى النفى إيجاب فصار بمثابة رأيت غير أنه مقصود به الاستفهام ولم يمكن أن يؤتى بحرف هل وجوده فى اللفظ فلذلك أعطى معنى هل رأيت".
وزاد الألوسي في روح المعاني 3/20:" وقال بعضهم : إن كلا من لفظ ألم تر و أرأيت مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول تعلق بالمتعجب منه فيقال : ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى انظر اليه فتعجب من حاله والثاني بمثل المتعجب منه فيقال أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى إنه من الغرابة بحيث لايرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله".
وعليه أقول:
ألم تر هنا بمعنى هل رأيت أو أرأيت غير أنّ الغرض إثبات نظر البصيرة بعد نظر البصر، وكأن المعنى :" إنّ البصر قد أقرّ بهذا فألمْ ترَ ببصيرتك -بعد رؤية البصر وإقراره – إلى هذا الأمر فتقرّه إقرار بصرك؟.
وكان الشعراء الفحول يشيرون إلى هذه الميزة يإتيانهم الكلام مستفهَما على هذا النسق فيقول الفرزدق:
ألم ترني عاهدتُ ربّي وإنّني **** لبين رتاجٍ قائمًا ومقامِ.
ومالك بن الريب:
ألم ترني بعتُ الضلاة بالهدى **** وأصبحتُ في جيش بن عفّان غازيا.
والنّابغة:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً **** ترى كل ملك دونها يتذبذب.
وآخر:
ألم تر أن السيفَ ينقُصُ قدرُه **** إذا قيل: إنّ السيفَ أمضى من العصا.
وغيره:
ألم تريا أنّي حميتُ حقيقتي **** وباشرتُ حدّ الموت والموت دونها.
ومنه قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:" اتّقوا الغضب فإنّه جمرة تتوقّد في قلب بن آدم، ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه".عمدة القاري24/234، وتحفة الأحوذي6/359وفيض القدير 2/179.
فلمّا أراد عليه الصلاة والسلام أن يُقرّ أمرا غيبيًا وهو أنّ الغضب جمرةٌ تتوقّد في قلب ابن آدم ينفُخها الشيطان أتى بآيةٍ بصرية فيزيكية لا تنكرها العين وهي انتفاخ الأوداج وحمرة العينين، فكذلك الله –عز وجل- في هذه الآية المباركة العظيمة لمّا أراد أن يُقرّر حقيقة ربوبيته التي لا ينازعه فيها أحد، وأنّه –تعالى وعز- وحدَه المدبّر المسيّر لهذا الكون كلّه أتى بآية بصرية تتمثّل في الكشف عن المراحل التي تمرّ بها عملية سقوط المطر، وهي آية من آيات متعدّدة، وبرهان في غاية الوضوخ على وجوده وثباته ودلائل منادية على صفاته لمن نظر وتفكّر وتبصّر وتدبّر.
ومن هذا النسق الدّال على ربوبيته قوله:
"ألم ترإلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه" لأنّ الآية التي بهتته وأخرسته متعلّقة بربوبيته وهي تحكّمه في شروق الشمس وغروبها.
وقوله:" ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظلّ ولو شاء لجعله ساكنا".
وقوله:"ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة"
وقوله:" ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها" فاطر27.
ولأجل هذه العقيدة العظيمة وهي الخاصة بتوحيد ربوبيته لم يقل تبارك وتعالى: ألم تر أنّ السّحاب يُساقُ ..وإنّما وقعت أداة التوكيد على لفظ الجلالة وهو قوله :" ألم تر أنّ الله" دون غيره،ولكي يناسب هذا التعبير الخاص بفراده وتخصيصه بالربوبية دون سواه كانت الآية التي قبل هذه تحمل حقيقة هذا المعنى وهي قوله:" لله ملكُ السماوات والأرض وإلى الله المصير"42،وكانت التي تليها متناسقةً اتّساقًا كاملا معها وهي قوله:" يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار"44،فتكرّر لفظ الجلالة "الله"من دون الإشارة إليه بالضمير لأنّ الغرض إرجاعُ كلّ الأمر إليه فلا إله إلا ربّ السماوات والأرض.
أمّا يُزجي فمعناه يسوق، قال ابن منظور:" وأزجيتُ الإبل: سُقتُها قال ابن الرّقاع:-كامل-
يُزجي أغنَّ كأنّ إبرةَ روقِهِ *** قلمٌ أصاب من الدّواةِ مدادَها. اللسان 14/355.
وقال النابغة يصفُ سحابة لا ماء فيها:-بسيط-
صُهبُ الشمالِ أتيْنَ التّينَ عن عُرُضٍ *** يُزجينَ غيمًا قليلاً ماؤُهُ شَبما. اللسان13/75.
وفي معرِض حديثه عن نظرية النظم قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في بداية الدلائل:-بسيط-
فما لنظمِ كلامٍ أنتَ ناظمُهُ *** معنى سوى حُكمِ إعرابٍ تُزَجّيهِ.
أي تسوقُه إلى أواخر الكلم فتجعل النصب للمفعول والحال، والرفع للمبتدإ والفاعل والجر للمجرور والمضاف.
أمّا النّكتةُ في إتيان الفعل بصيغة المضارع فيعود إلى السّمة التي يحملُها هذا الفعل دون غيره من الأمر والماضي والاسم، فإنّ الاسم دالٌّ على الثبوت والسكون كما أقرّ علماء البلاغة، بخلاف المضارع الذي يُوحي بالحركة وإتيان الأمر شيئًا فشيئًا، والمراد ب: يُزجي" هنا نقل صورة تحرّك السحاب وهو يُساق سوقًا إلى المكان الذي قُدر له الصبّ فيه، وهذا ديدنُ القرآن لمن أراد تتبّع هذه المواضع فيه، قال تعالى:" إنّ الله فالقُ الحب والنوى يُخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي" فيُخرج الحي من الميت تأكيدًا لقوله فالق الحب والنّوى لأنّ معناهما واحد فالحب والنوى ميّت والله يُخرج الحي منهما بالإنبات، وإنّما أتى بالمضارع ولم يأت به فيقوله:"ومخرج الميت من الحي" للحركة التي تستشفها في الفعل، فالإتيان بالفعل المضارع هنا ناسب حركة هذا الخلق الحي والصورة التي يتم بها هذا الإحداث للخلق، ومنه قول الشاعر:-أظنّه تأبطّ شرا-
وإنّي قد لقيتُ الغول تسعى *** بسيبٍ كالصحيفةِ صحصحانِ
فآخذها فأضربُها فخرّتْ *** صريعًا لليدين وللجران.
فأتى بالمضارع لنقل الصورة حيّةً لأنّ فيها حركة فالأولى نقلها بالفعل.
ومنه قول الآخر-البيت في الدلائل-
ولقد أمرّ على اللّئيمِ يسبُّني *** فمضيتُ ثمّتَ قلتُ لا يعنيني
ومن هذاالنسق في التنزيل قوله تعالى:"أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ"لأنّ صفّ الجناح ثابت وقبضه حركة فالفعل أنسب، وقل ذلك في قوله:" وكلبهم باسط" قال الجرجاني -لا أذكر لفظه- ولو قال يبسط لفسد المعنى لأنّ المراد نقل الهيئة والصفة لا الحركة.
والسحاب الغيمُ والسّحابةُ التي يتكون عنها المطر سمّيت بذلك لانسحابها في الهواء والجمع سحائب وسحابٌ وسُحب. اللسان 1/461







![[ إشتهاءات الألوان ]](http://flash01.arabsh.com/uploads/image/2012/02/06/0c33434a62f7.gif)





LinkBack URL
About LinkBacks





رد مع اقتباس




مواقع النشر (المفضلة)